فصل: باب ترك أكل ما قتل المعراض والحجر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار ***


باب ذكاة ما في بطن الذبيحة

1014- مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه قال أبو عمر لم يرد بن عمر بذبح الجنين ها هنا شيئا من الذكاة لأن الميت لا يذكى وأنما أراد خروج الدم من جوفه ولو كان خرج حيا لم تكن ذكاة أمه بذكاة بإجماع من العلماء‏.‏

1015- مالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول ذكاة ما في بطن الذبيحة في ذكاة أمه إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره قال أبو عمر اختلف العلماء في ذكاة الجنين فقال مالك بما رواه عن بن عمر وسعيد بن المسيب في ذلك قال إذا تم خلقه وأشعر أكل وإلا لم يؤكل‏.‏

وقال أبو حنيفة وزفر لا يؤكل الجنين إلا أن يخرج حيا من بطن أمه فيذكى وقال أبو يوسف ومحمد والثوري والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي والحسن بن حي يؤكل وإن كان شيئا إذا ذكيت الأم وذكاة أمه ذكاته قال أبو عمر روي قول مالك في إعتبار أشعاره وتمام خلقه عن جماعة من أهل المدينة والحجاز وغيرهم منهم بن عمر وسعيد بن المسيب وبن شهاب ومجاهد وطاوس والحسن وقتادة وروى معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه‏.‏

وحدثني عبد الله بن محمد قال حدثني محمد بن عثمان قال حدثني إسماعيل بن إسحاق قال حدثني علي بن المديني قال حدثني سفيان بن عيينة قال حفظت من الزهري عن بن كعب بن مالك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة امه قال سفيان وقال أبان بن تغلب - وكان صاحب عربية - إذا أشعر الجنين قال سفيان فأما الذي حفظت أنا من الزهري إذا أشعر قال أبو عمر قيل أشعر إذا تم خلقة وإن لم يشعر قال أبو عمرو الشيباني المشعر التام الخلق الطويل وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي - رضي الله عنه - قال ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر وروي مثل قول الشافعي ومن ذكرنا معه عن إبراهيم النخعي وروى الثوري عن منصور عن إبراهيم قال ذكاته ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أن يقذره وبن عيينه عن الحسن بن عبيد الله النخعي قال سألت إبراهيم عن جنين البقرة فقال هو ركن من أركانها وبن خديج عن داود بن أبي عاصم عن سعيد بن المسيب أنه قال كله إن لم يشعر وروى بن المبارك وغيره عن مجالد بن سعيد عن أبي الوداك جبر بن نوف قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البقرة أو الناقة أو الشاة ينحرها أحدنا فيجد في بطنها جنينا أيأكله أم يلقيه قال ‏(‏‏(‏كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر ليس في هذا الحديث المسند اشتراط أشعاره ولا غيره وروى بن المبارك عن بن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه أو عن الحكم بن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى - الشك من بن المبارك - عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر‏)‏‏)‏ ورواه غير بن المبارك عن بن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد الخدري وبن أبي ليلى سيئ الحفظ عندهم جدا ومن حديث زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏ذكاة الجنين ذكاة أمه‏)‏‏)‏‏.‏

وأما قول أبي حنيفة وزفر فليس له في حديث النبي - عليه السلام ولا في قول أصحابه ولا في قول الجمهور أصل وزعم أبو حنيفة أنه لم ير ذكاة واحدة تكون لاثنين واستحال غيره أن تكون ذكاة لنفسين وهو يرى أن من أعتق حاملا فإن عتقها عتق لجنينها فإذا جاز أن يكون عتق واحد عتقا لاثنين فغير نكير أن تكون ذكاة نفس ذكاة نفسين هذا من جهة القياس فكيف والسنة مغنية عن كل رأي وبالله التوفيق وقد روي عن بن عباس في قوله ‏(‏أحلت لكم بهيمة الأنعام‏)‏ ‏[‏المائدة 1‏]‏‏.‏

قال الجنين وعن الحسن قال بهيمة الأنعام الشاة والبقرة والبعير تم كتاب الذبائح وهو آخر الجزء السادس وذلك في العشر الآخر من ذي القعدة سنة اثنين وخمسين وخمسمائة يتلوه في الجزء السابع كتاب الصيد‏.‏

كتاب الصيد

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم تسليما‏.‏

باب ترك أكل ما قتل المعراض والحجر

1016- مالك عن نافع أنه قال رميت طائرين بحجر وأنا بالجرف فأصبتهما فأما أحدهما فمات فطرحه عبد الله بن عمر‏.‏

وأما الآخر فذهب عبد الله بن عمر يذكيه بقدوم فمات قبل أن يذكيه فطرحه عبد الله أيضا‏.‏

1017- مالك أنه بلغه أن القاسم بن محمد كان يكره ما قتل المعراض والبندقة قال مالك ولا أرى بأسا بما أصاب المعراض إذا خسق وبلغ المقاتل أن يؤكل قال الله تبارك وتعالى ‏(‏يأيها الذين أمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم‏)‏ ‏[‏المائدة 94‏]‏‏.‏

قال فكل شيء ناله الإنسان بيده أو رمحه أو بشيء من سلاحه فأنفذه وبلغ مقاتله فهو صيد كما قال الله تعالى قال أبو عمر اختلف العلماء قديما وحديثا في صيد البندقة والمعراض والحجر فمن ذهب إلى أنه صيد لم يجز منه إلا ما أدرك ذكاته كما صنع بن عمر وفي فعل بن عمر دليل على جواز التذكية فيما أدركت ذكاتة وفيه حياة وإن خيف عليه الموت فقد تقدم هذا المعنى مجردا وقال أبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي والشافعي في صيد البندقة والمعراض والحجر نحو قول مالك وخالفهم الشاميون في ذلك وقال الكوفيون ومالك إن أصاب المعراض بعرضة فقتل لم يؤكل وإن خرق جلده أكل وزاد الثوري وإن رميته بحجر أو بندقة كرهته إلا أن تذكيه‏.‏

وقال الشافعي إن خرق برقته أو قطع بحده أكل وما خرق بثقله فهو وقيد وله فيما نالته الجوارح ولم تدمه قولان أحدهما أن لا يأكل حتى يخرق لقوله تعالى ‏(‏من الجوارح‏)‏ والآخر أنه حل قال أبو عمر اختلاف بن القاسم وأشهب في هذه المسألة على هذين القولين فذهب بن القاسم إلى أنه لا يؤكل حتى يدميه الكلب ويجرحه ولا يكون ذكيا عنده إلا بذلك وقال أشهب إن مات من صدمة الكلب أكل قال أبو عمر كره إبراهيم النخعي ومجاهد وعطاء ما قتل البندقة والمعراض إلا أن تدرك ذكاته على مذهب بن عمر ورخص فيه عمار بن ياسر وأبو الدرداء وفضاله بن عبيد وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وإلى هذا ذهب الأوزاعي ومكحول وفقهاء الشام قال الأوزاعي في المعراض كله خرق أو لم يخرق فقد كان أبو الدرداء وفضاله بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا قال أبو عمر هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر والمعروف عن عبد الله بن عمر ما ذكره مالك عن نافع عنه وذكر معمر عن أيوب عن نافع قال رميت صيدا بحجر فأخذه بن عمر فقال يا نافع ائتني بشيء أذبحه به قال فعجلت فأتيت بالقدوم فمات في يده قبل أن يذبحه فطرحه وعن طاوس وقتادة في المعراض إذا خزق فكله وإلا فلا تأكله قال طاوس وكذلك السهم إذا خرج فكله وإلا فلا تأكله قال أبو عمر الأصل في هذا الباب الذي عليه العمل وفيه الحجة لمن لجأ إليه على من خالفه حديث عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ‏!‏ إني أرمي بالمعراض قال ‏(‏‏(‏ما خزق فكل وما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنما هو وقيذ‏)‏‏)‏‏.‏

حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني احمد بن زهير قال حدثني أبو نعيم قال حدثني زكريا عن الشعبي عن عدي بن حاتم فذكره وروى إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم فذكره وروى إبراهيم النخعي عن همام عن عدي بن حاتم عن النبي -عليه السلام- مثله بمعناه وحديث عبد الله بن المغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال ‏(‏‏(‏ إنها لا تنكي العدو ولا تصيد الصيد ولكنها تكسر السن وتفقأ العين‏)‏‏)‏ فدل على أن الحجر لا تقع به ذكاة صيد والله أعلم‏.‏

1018- مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يكره أن تقتل الإنسية بما يقتل به الصيد من الرمي وأشباهه قال أبو عمر اختلف العلماء في هذه المسالة وهي البهيمة الداجن تستوحش والبعير يشرد فقال مالك وربيعة والليث بن سعد لا يؤكل إلا أن ينحر البعير أو يذبح ما يذبح من ذلك وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي إذا لم يقدر على ذكاة البعير الشارد فإنه يقتل كالصيد ويكون بذلك مذكى قال أبو عمر هذا القول أظهر في أهل العلم لحديث رافع بن خديج قال ند لنا بعير فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏إن لهذه البهائم أوابد ‏(‏1‏)‏ كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا وكلوا‏)‏‏)‏ رواه سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت قال جاء رجل إلى علي - رضي الله عنه - فقال إن بعيرا لي ند فطعنته برمحي فقال علي اهد لي عجزه وروى إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن بن عباس قال إذا ند البعير فارمه بسهمك واذكر اسم الله وعن بن مسعود معناه ومعمر عن طاوس عن أبيه في البهيمة تستوحش قال هي صيد أو قال هي بمنزلة الصيد قال أبو عمر من جهة القياس لما كان الوحشي إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الإنسي لأنه صار مقدورا عليه فكذلك ينبغي في الإنسي إذا توحش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يحل بما يحل به الوحشي وحجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم يند الإنسي أنه لا يذكى إلا بما يذكى به المقدور عليه ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا وهذا لا حجه فيه لأن إجماعهم إنما انعقد على مقدور عليه وهذا غير مقدور عليه‏.‏

1019- مالك أنه سمع أهل العلم يقولون إذا أصاب الرجل الصيد فأعانه عليه غيره من ماء أو كلب غير معلم لم يؤكل ذلك الصيد إلا أن يكون سهم الرامي قد قتله أو بلغ مقاتل الصيد حتى لا يشك أحد في أنه هو قتله وأنه لا يكون للصيد حياة بعده قال أبو عمر قول مالك قول صحيح على ما شرط لأنه شرط حتى لا يشك أحد أن السهم قتله وأن لا تكون له حياة بعد وإذا كان هكذا ارتفع معنى الخلاف لأن المخالف لم يحمله على قوله إلا خوف أن يعين الجارح غيره على ذهاب نفس الصيد والله أعلم ولا أعلمهم يختلفون فيمن فرى أوداج الطائر أو الشاة وحلقومها ومريئها ثم وثب فوقعت في ماء أو تردت بعد أنها لا يضرها ذلك ولا خلاف عن مالك أنه إذا أعان على قتل الصيد غرق أو ترد أو كلب غير معلم لم يؤكل قال وإن وقع من الهوي على الأرض فمات ووجدت سهمك لم ينفذ مقاتله لم يؤكل‏.‏

وأما قول الفقهاء في هذه المسألة وما كان في معناه فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما إذا رمى الصيد في الهوي فوقع على جبل فتردى ومات لم يؤكل لأنه لم يؤتمن أن يكون التردي قد أعان على قتله مع إنفاذ المقاتل ولو وقع مع إنفاذ المقاتل على الجبل والأرض فمات مكانه أكل وإن وقع في ماء لم يؤكل وقال الأوزاعي وفي الوعل يكون على شرف فيضر به الطائر فيقع لا يأكله لأنه لا يؤمن أن يموت من السقطة وقال في طائر رماه رجل وهو يطير في الهواء فوقع في ماء لا يؤكل قال وإن وقع على الأرض ميتا أكل وروي عن بن مسعود أنه قال إذا رمى أحدكم طائرا وهو على جبل فخر فمات فلا يأكله فإني أخف أن يكون قتله ترديه قال وكذلك إن وقع في ماء فإني أخاف أن يكون قتله الماء لم يذكر في ذلك كله إنفاذ المقاتل وما خافه بن مسعود قد خافه مالك في قوله حتى لا يشك أحد أنه قتله وكل ما روي عن التابعين وسائر الخلفاء فغير خارج عن هذا المعنى وبالله التوفيق إلا أن بن خديج قال قلت لعطاء إني رميت صيدا فأصبت مقتله فتردى أو وقع في ماء وأنا أنظر فمات قال لا تأكله قال وسمعت مالكا يقول لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه إذا وجدت به أثرا من كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت فإذا بات ‏(‏فإنه يكره‏)‏ أكله وفي غير ‏(‏‏(‏الموطأ‏)‏‏)‏‏.‏

قال مالك إذا مات الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ الكلب أو البازي أو السهم لم يأكله قال أبو عمر فهذا يدل أنه إذا نفذ مقاتله كان حلالا عنده أكله وإن بات إلا إنه يكرهه إذا بات لما جاء عن بن عباس وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل وقال اشهب وعبد الملك وأصبغ جائز أكل الصيد وإن بات إذا نفذت مقاتله قال أبو عمر هذه المسألة قد اختلفت فيها الآثار وعلماء الأمصار فقال الثوري إذا غاب عنك ليلة ويوما كرهت أكله وقال الأوزاعي إن وجده من الغد ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه فليأكله‏.‏

وقال الشافعي القياس الا يأكله إذا غاب عنه مصرعه واحتج مع ذلك بقول بن عباس كل ما أصميت ودع ما أنميت وفي خبر آخر عنه ما غاب عنك ليلة فلا تأكله‏.‏

وقال أبو حنيفة إذا توارى عنه الصيد والكلب في طلبه فوجده قد قتله جاز أكله وإن ترك الكلب الطلب واشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده كرهنا أكله قال أبو عمر في حديث أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصيد إذا غاب عنك مصرعه وذكر هوام الأرض فإن كان أبو رزين العقيلي فالحديث مسند وإن كان أبو رزين مولى أبي وائل فهو مرسل وقد اختلف فيهما على هذين القولين وروى معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك صيده بعد ثلاث يأكله إلا أن ينتن ذكره أبو داود عن يحيى بن معين عن خالد بن خالد الخياط عن معاوية بن صالح وقال أبو داود حدثني محمد بن المنهال الضرير قال حدثني يزيد بن زريع قال حدثني حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبا ثعلبه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لي كلابا مكلبة فأفتنا في صيدها فقال النبي -عليه السلام- ‏(‏‏(‏كل مما أمسكن عليك ذكيا وغير ذكي‏)‏‏)‏‏.‏

قال وإن أكل منه قال وإن أكل منه قال يا رسول الله أفتني في قوسي قال ‏(‏‏(‏كل ما ردت عليك قوسك ذكيا وغير ذكي قال ‏(‏‏(‏وإن تغيب عني قال وإن تغيب عنك ما لم يضل أو تجد فيه سهم غيرك‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر قوله إلا أن يضل يقول إلا أن ينتن فحمله قوم على التحريم وقالوا لا يحل أكل ما أنتن لأنه يصير خسيئا خبيثا والله قد حرم الخبائث ويدخل فيها كل ما أنتن وبيان السنة كذلك وقال آخرون الذكي حلال والنهي عن أكل ما أنتن منه نفرة وتقذر وقد جاء في صيد البحر وهو ذكي مثل ما جاء في صيد البر إذا أنتن لا يؤكل ذكر يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن أبي حمزة أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول أمر علينا قيس بن سعد بن عبادة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتنا مخمصة فنحرنا سبع جزائر ثم هبطنا ساحل البحر فإذا لحق بأعظم حوت فأقمنا عليه ثلاثا فحملنا ما شئنا من ثريد وودك منه في الأسقية والقدائر ثم سرنا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بذلك فقال ‏(‏‏(‏لو أنا نعلم أنا ندركه قبل أن يروح لأحببنا أن يكون عندنا منه‏)‏‏)‏ وفي هذا الحديث إلا أن يروح يقول إلا أن ينتن ففي هذه الأحاديث النهي عن أكل ما ينتن من اللحم الذكي وهو نص لا يضره تقصير من قعد عن ذكره وفي رواية سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ‏!‏ إنا أهل صيد فيرى أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين ثم يبلغ أثره فنجد السهم فيه قال ‏(‏‏(‏إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد فيه أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل‏)‏‏)‏ وروى معمر عن عاصم عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله فذكر معناه سواء قال أبو عمر هذا قول مالك وجمهور أهل العلم وهو أولى ما اعتمد عليه في هذا الباب والله الموفق للصواب وقد زدنا هذه المسألة بيانا في كتاب الحج عند ذكر حمار البهري لأنه غاب عنه ثم وجده وفيه سهمه والله أعلم قال أبو عمر فإن ظن ظان أن بن عباس يخالف هذا فقد غلط والآثار ‏(‏عنه‏)‏ تدل على هذا المعنى وروى الثوري عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهذيل قال كنت مع أهل الكوفة إلى بن عباس فلما جئته قال الناس مسألة فجاءه رجل مملوك فقال يا أبا عباس ‏!‏ إني أرمي الصيد فأصمي وأنمي قال ما أصميت فكل وما توارى عنك ليلة فلا تأكل ومعمر عن الأعمش عن مقسم عن بن عباس مثله إلا أنه قال ‏(‏وما أنميت‏)‏ فلا تأكل ولم يقل ليلة وهذا كله ‏(‏تفسير‏)‏ حديث إسرائيل عن ‏(‏سماك‏)‏ بن حرب ‏(‏عن عكرمة‏)‏ عن بن عباس أنه سئل عن الرجل يرمي الصيد فيجد سهمه ‏(‏فيه‏)‏ من الغد فقال لو علمت أن سهمك قتله لأمرتك بأكله ولكني لا أدري لعله قتله ترد أو غير ذلك‏.‏

باب ما جاء في صيد المعلمات

1020- مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في الكلب المعلم كل ما أمسك عليك إن قتل وإن لم يقتل‏.‏

1021- مالك أنه سمع نافعا يقول قال عبد الله بن عمر وإن أكل أو لم يأكل قال أبو عمر هذه الرواية التي بلغته عن نافع خير من التي سمعها هو من نافع لأن روايته في قتل أو لم يقتل تحتاج إلى تفسير لأن الكلب إذا لم يقتل الصيد وأدركه الصائد حيا بين يدي الكلب لزمه أن يذكيه فإن لم يفعل لم يأكله إلا أن يفوته هو بنفسه من غير تفريط فيموت حينئذ كمن قتله الجارح من قبل أن يصل إليه وهذه المسألة ستأتي بعد إن شاء الله‏.‏

وأما الرواية أكل أو لم يأكل فمسألة أخرى اختلفت فيها الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلف فيها الصحابة ومن بعدهم من العلماء فالذي ذهب إليه مالك ما رواه عن بن عمر عن سعد بن أبي وقاص‏.‏

1022- مالك أنه بلغه عن سعد بن أبي وقاص أنه سئل عن الكلب المعلم إذا قتل الصيد فقال سعد كل وإن لم تبق إلا بضعة واحدة وبلاغ مالك عن نافع عن بن عمر وعن عبد الرزاق قال أخبرنا بن خديج عن نافع عن بن عمر قال في الكلب المعلم كل ما أمسك عليك وإن أكل منه ذكره عبد الرزاق عن بن جريج وهو الصحيح عن بن جريج وكذلك رواه عبيد الله بن عمرو عن بن أبي ذئب عن نافع عن بن عمر وروى قتاده عن عكرمة عن بن عمر أنه كره أكل الصيد يأكل منه الكلب رواه همام وغيره عن قتادة ومعمر عن أيوب عن نافع عن بن عمر أنه كان لا يرى بأسا بأكل الصيد يأكل منه الكلب وروى يحيى القطان قال حدثني داود الكندي عن محمد بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال إذا أرسلت كلبك أو بازيك فأكل فكل وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن بن المسيب أن سلمان قال إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فأكل ثلثيه وبقي ثلثه فكل وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال في الكلب المعلم كل مما امسك عليك وأن أكل ثلثيه وبقي ثلثه فكل قال وقال سعيد كل وإن لم يبق إلا رأسه ورواية عن أبي هريرة مثله وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وبن شهاب وربيعة وإليه ذهب الأوزاعي والليث بن سعد وروى بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث وإبراهيم بن نشيط وبكر بن مخرمة وبن أبي ذئب عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن حميد بن مالك أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب فقال كل وإن لم بيق منه إلا جوفه وروى شعبة عن عبد ربه بن سعيد قال أخبرني بكير بن الأشج أن سعدا قال كل وإن أكل نصفه وحجة مالك ومن قال بقوله في ذلك ما حدثناه عبد الله قال حدثني محمد قال حدثني أبو داود قال حدثني محمد بن عيسى قال حدثني هشيم قال حدثني داود بن عمرو عن بسر بن عبد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل قلت وإن أكل منه يا رسول الله قال ‏(‏‏(‏وإن أكل منه‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم فلا يؤكل من صيده وهو قول بن عباس لم يختلف في ذلك عنه واختلف فيه عن أبي هريرة وروي عنه مثل قول بن عباس وروي عنه مثل قول سلمان وسعد وروى طاوس وسعيد بن جبير وعطاء عن بن عباس في الكلب قال إن أكل من صيده فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ولو كان معلما لم يأكل وبه قال الشعبي وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وإبراهيم النخعي قال أبو عمر حجتهم حديث عدي بن حاتم رواه من وجوه صحاح ما رواه شعبة عن عبد الله بن الشعر عن أبي السفر عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وفي رواية مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي -عليه السلام- قال في الكلب ‏(‏‏(‏وإذا قتل ولم يأكل شيئا فإنما ليس عليه أمسك على نفسه‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر قد عارض حديث عدي هذا حديث أبي ثعلبة ناسخ لقوله فيه وإن أكل يا رسول الله قال وإن أكل والكلب المعلم عند مالك وعند كل من أجاز أكل صيده إذا أكل منه هو أن يشلي فيستشلى ويدعى فيجيب ويزجر فيطيع وليس ترك الأكل عندهم من شرط التعليم‏.‏

وأما الذين أبوا من أكل صيده إذا أكل فمن شرط التعليم عندهم أن لا يأكل مع ما ذكرنا من الإجابة والإشلاء والطاعة‏.‏

وقال الشافعي والكوفيون إذا أشلى استشلى وإذا أخذ حبس ولم يأكل فإذا فعل ذلك مرة بعد مرة أكل صيده في الثالثة ومنهم من قال يفعل ذلك ثلاث مرات ويؤكل صيده في الرابعة وقال غيره إذا فعل ذلك مرة فهو معلم ويؤكل صيده في الثانية‏.‏

وأما الكلب يشرب من دم الصيد فكرهه الشعبي والثوري وشبهاه بأكله وقال عطاء وجمهور العلماء ليس شربه من دم الصيد كأكله منه ولا بأس به‏.‏

1023- مالك أنه سمع بعض أهل العلم يقولون في البازي والعقاب والصقر وما أشبه ذلك أنه إذا كان يفقه كما تفقه الكلاب المعلمة فلا بأس بأكل ما قتلت مما صادت إذا ذكر اسم الله على إرسالها قال أبو عمر لا أعلم في صيد سباع الطير المعلمة خلافا إنه جائز كالكلب المعلم سواء إلا مجاهد بن جبر فإنه كان يكره صيد الطير ويقول إنما قال الله تعالى ‏(‏وما علمتم من الجوارح مكلبين‏)‏ المائده 4 فإنما هي الكلاب وخالفه عامة العلماء قديما وحديثا فأجازوا الاصطياد بالبازي والشوذنين وسائر سباع الطير المعلمة وروى معمر عن بن طاوس عن أبيه في قوله عز وجل ‏(‏وما علمتم من الجوارح مكلبين‏)‏ ‏[‏المائدة 4‏]‏‏.‏

قال الجوارح من الكلاب والبيزان والصقور والفهود وما أشبههما قال أبو عمر على هذا الناس واختلف الفقهاء في صيد البازي وما كان مثله من سباع الطير فأكل من صيده فقال الجمهور لا يضر ذلك صيده وهو ذكي كله إذا قتله وإن أكل منه لأن تعليمه بالأكل وللشافعي في هذه المسألة قولان أحدهما أن البازي كالكلب إن أكل من صيده فلا يأكل والقول الثاني أنه لا بأس بصيد سباع الطير أكلت أو لم تأكل قال أبو عمر احتج من كره صيد البازي إذا أكل من أصحاب الشافعي بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم بن أصبغ قال حدثني بكر بن حماد قال حدثني مسدد قال حدثني عيسى بن يونس عن مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال ‏(‏‏(‏ما أمسك عليك فكل‏)‏‏)‏ وهذا مثل قولك في الكلب قال أبو عمر هذا لا حجة فيه لأنه محتمل للتأويل واحتج أيضا بما رواه بن جريج عن نافع عن بن عمر قال ما يصطاد بالطير والبيزن وغيرهما فما أدركت ذكاته فكل وما لا فلا تطعمه قال‏.‏

وأما الكلب المعلم فكل ما أمسك عليك وإن أكل منه ففرق بين البازي والكلب قال أبو عمر ليس هذا بشيء بل هو حجة عليه لأنه إذا أجاز أكل ما أكل الكلب منه فأحرى أن يجيز أكل ما أكل البازي منه وهذا عندي غير صحيح عنه إلا أن يكون البازي لم ينفذ مقاتله وكان قادرا على تذكيته فتركه وقد روى سعيد بن جبير عن بن عباس قال إذا أكل الكلب المعلم فلا تأكل‏.‏

وأما الصقر والبازي فإن أكل فكل ولا مخالف له من الصحابة من وجه يصح وقال الحسن وإبراهيم النخعي في البازي والصقر إن أكلا فكل إنما تعليمه أكله قال مالك وأحسن ما سمعت في الذي يتخلص الصيد من مخالب البازي أو من الكلب ثم يتربص به فيموت أنه لا يحل أكل قال مالك وكذلك كل ما قدر على ذبحه وهو في مخالب البازي أو في في الكلب فيتركه صاحبه وهو قادر على ذبحه حتى يقتله البازي أو الكلب فإنه لا يحل أكله قال مالك وكذلك الذي يرمي الصيد فيناله وهو حي فيفرط في ذبحه حتى يموت فإنه لا يحل أكله قال أبو عمر على قول مالك هذا جمهور الفقهاء كلهم يقول إذا مات الصيد قبل أن يمكنه ذبحه جاز أكله وإن أمكنه ذبحه فلم يفعل حتى مات لم يأكله وممن قال بهذا الليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو قول الحسن وقتادة‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه إذا حصل الصيد في يده حيا من فم الكلب أو الصيد لسهم ولم يذكه لم يؤكل سواء قدر على تذكيته أو لم يقدر وقد قال الليث إن ذهب يخرج سكينة من حقبة أو خفه فسبقه بنفسه فمات أكله وإن ذهب يخرج سكينه من خرجه فمات قبل أن يخرجه لم يأكله وقد روي عن إبراهيم النخعي والحسن البصري في هذه المسألة قول شاذ قالا إذا لم تكن معك حديدة فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا أن المسلم إذا أرسل كلب المجوسي الضاري فصاد أو قتل أنه إذا كان معلما فأكل ذلك الصيد حلال بأس يه وإن لم يذكه المسلم وإنما مثل ذلك مثل المسلم يذبح بشفرة المجوسي أو يرمي بقوسه أو بنبله يقتل بها فصيده ذلك وذبيحته حلال لا بأس بأكله وإذا أرسل المجوسي كلب المسلم الضاري على صيد فأخذه فإنه لا يؤكل ذلك الصيد إلا أن يذكي وإنما مثل ذلك مثل قوس المسلم ونبله يأخذها المجوسي فيرمي بها الصيد فيقتله وبمنزلة شفرة المسلم يذبح بها المجوسي فلا يحل أكل شيء من ذلك قال أبو عمر الخلاف في ذبائح المجوسي ليس بخلاف عند أهل العلم والفقهاء أئمة الفتوى متفقون على ألا تؤكل ذبائحهم ولا صيدهم ولا تنكح نساؤهم من قال منهم أنهم كانوا أهل كتاب ومن أنكر ذلك منهم كله يقول لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم ولا صيدهم على هذا مضى جمهور العلماء من السلف وهو الصحيح عن سعيد بن المسيب روى معمر عن قتادة عن شعبة عن سعيد بن المسيب في المسلم يستعير كلب المجوسي فيرسله على الصيد قال كله فإن كلبه مثل شفرته قال قتادة وكرهه الحسن قال أبو عمر على جواز صيد المسلم بكلب المجوسي وسلاحه جماعة السلف وتابعهم الجميع من الخلف وشذ عنهم من لزمته الحجة في الرجوع إليهم فلم يعد قوله خلافا وهو أبو ثور قال في المسلم يأمر المجوسي بذبح أضحيته إنها تجزئه وقد أساء وقال في الكتابي يتمجس إنه جائز أكل ذبيحته وقال في موضع آخر من صيد المجوسي قولان أحدهما أنه يجوز كصيد الكتابي وذبيحته لأنه من أهل الكتاب والثاني أنه لا يجوز أكل صيده كقول جمهور المسلمين‏.‏

وأما صيد المسلم بكلب المجوسي فالاختلاف فيه قديم كرهته طائفة ولم تجزه وأجازه آخرون فمن كرهه جابر بن عبد الله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن البصري وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وإليه ذهب إسحاق بن راهويه وحجة من ذهب إلى هذا ظاهر قول الله عز وجل ‏(‏وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله‏)‏ ‏[‏المائدة 4‏]‏‏.‏

فخاطب المؤمن بهذا الخطاب فإن لم يكن المعلم للكلب مؤمنا لم يجز صيده ومن حجتهم أيضا ما رواه وكيع عن الحجاج عن القاسم بن أبي بزة عن سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله قال نهينا عن صيد كلب المجوسي وخالفهم آخرون فقالوا تعليم المجوسي له وتعليم المسلم سواء وإنما الكلب كالة الذبح والذكاة وممن ذهب إلى هذا سعيد بن المسيب وبن شهاب والحكم وعطاء وهو الأصح عنه إن شاء الله وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وكان الحسن البصري يكره الصيد بكلب المجوسي والنصراني‏.‏

وقال أحمد بن حنبل أما كلب اليهودي والنصراني فهو أهون وقال إسحاق لا بأس أن يصيد المسلم بكلب اليهودي والنصراني قال أبو عمر لما أجمع الجمهور الذين لا يجوز عليهم تأويل الكتاب وهم الحجة على من شذ عنهم إن ذبح المجوسي بشفرة المسلم ومديته واصطياده بكلب المسلم لا يحل علمنا أن المراعاة والاعتبار إنما هو دين الصائد والذابح لا آلته وبالله التوفيق‏.‏

وأما اختلاف العلماء في ذبائح الصابئين والسامرة وصيدهم فقال الكوفيون لا تؤكل ذبائح الصابئين والمجوس والسامرة فليسوا أهل كتاب‏.‏

وقال الشافعي لا تؤكل ذبائح الصابئين ولا المجوس قال‏.‏

وأما السامرة فهم من اليهود فتؤكل ذبائحهم إلا أنه يعلم أنهم يخالفونهم في أصل ما يحرمون من الكتاب ويحلون فلا تؤكل ذبائحهم كالمجوس قال وإن كان الصابئون والسامرة من بني إسرائيل يدينون بدين اليهود والنصارى أنكح نساؤهم وأكلت ذبائحهم قال‏.‏

وأما المجوس فكانوا أهل كتاب فتؤخذ منهم الجزية لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة وعلى هذا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس نجران قال أبو عمر روي عن بن عباس أنه قال في الصابئين هم قوم بين المجوس واليهود لا تحل نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم وقال مجاهد الصابئون قوم من المشركين لا كتاب لهم وذكر عبد الرزاق وغيره عن الثوري عن برد بن سنان عن عبادة بن نسي عن غطيف بن الحارث قال كتب عامل عمر إلى عمر أن ناسا يدعون السامرة يقرؤون التوراة ويسبتون السبت ولا يؤمنون بالبعث فقال يا أمير المؤمنين ‏!‏ ما ترى في ذبائحهم فكتب إليه عمر أنهم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب قال أبو عمر ولا يجيء هذا الخبر عن عمر إلا بهذا الإسناد والله أعلم وجواب الشافعي في السامرة جواب حسن ولا أحفظ فيهم عن مالك قولا والذي يدل عليه ظاهر القرآن أن الصابئين غير اليهود وغير النصارى وغير المجوس قال الله تبارك وتعالى ‏(‏إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا‏)‏ ‏[‏الحج 17‏]‏‏.‏

ففصل بينهم وقال ‏(‏يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والأنجيل‏)‏ ‏[‏المائدة 68‏]‏‏.‏

وإنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقال ‏(‏وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم‏)‏ ‏[‏المائدة 5‏]‏‏.‏

وقوله يعني ذبائحهم بإجماع من أهل العلم بتأويل القرآن وصيدهم في معنى ذبائحهم وبالله التوفيق‏.‏

باب ما جاء في صيد البحر

1024- مالك عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل عبد الله بن عمر عما لفظ البحر فنهاه عن أكله قال نافع ثم انقلب عبد الله بن عمر فدعا بالمصحف فقرأ ‏(‏أحل لكم صيد البحر وطعامه‏)‏ قال نافع فأرسلني عبد الله بن عمر إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة أنه لا بأس بأكله قال أبو عمر كان عبد الله بن عمر -والله أعلم- يذهب فيما لفظ البحر مذهب من كرهه ثم رجع إلى ظاهر القرآن وعمومه في قوله تبارك أسمه ‏(‏أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم‏)‏ ‏[‏المائدة 96‏]‏‏.‏

وقد اختلف العلماء في تأويل ذلك فروى وكيع عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن بن عباس قال طعامه ما لفظ به أو قال ما قذف به وبن المبارك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال طعامه ما ألقى وهو قول إبراهيم فيما قذف وكان يكره الطافي وقال محمد بن كعب القرظي عن بن عباس طعامه ما لفظ به فألقاه ميتا وعن زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وبن العاص وعمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله وبه قال محمد بن كعب وعطاء وطائفة من التابعين وروى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال صيد البحر طرية ما اصطدته طريا وطعامه ما تزودته مملوحا وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي وطائفة وقد روي عن بن عباس مثله قال أبو عمر من ذهب إلى أن طعامه مملوحا كره ما مات وطفا من السمك ومن قال طعامه ما ألقاه ميتا أجاز ذلك ونبين ذلك في هذا الباب - إن شاء الله‏.‏

1025- قال مالك عن زيد بن اسلم عن سعد الجاري مولى عمر بن الخطاب أنه قال سالت عبد الله بن عمر عن الحيتان يقتل بعضها بعضا أو تموت صردا فقال ليس بها بأس قال سعد ثم سألت عبد الله بن عمرو بن العاص فقال مثل ذلك‏.‏

1026- مالك عن أبي الزناد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وزيد بن ثابت أنهما كانا لا يريان بما لفظ البحر بأسا‏.‏

1027- مالك عن أبي الزناد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسا من أهل الجار قدموا فسألوا مروان بن الحكم عما لفظ البحر فقال ليس به باس وقال اذهبوا إلى زيد بن ثابت وأبي هريرة فاسألوهما عن ذلك ثم ائتوني فأخبروني ماذا يقولان فأتوهما فسألوهما فقالا لا بأس به فأتوا مروان فأخبروه فقال مروان قد قلت لكم قال أبو عمر اختلف العلماء في أكل الطافي من السمك وفي كل ما عدا السمك من حيوان البحر فقال مالك لا بأس بأكل كل حيوان في الأكل لبحر ولا يحتاج شيء منه إلى ذكاة وهو حلال حيا وميتا إلا أنه كره خنزير الماء وقال انتم تسمونه خنزيرا وقال بن القاسم لا أرى خنزير الماء حراما وقال بن أبي ليلى نحو قول مالك في ذلك وهو قول الأوزاعي ومجاهد قال بن أبي ليلى كل شيء في البحر من الضفدع والسرطان وحية الماء وغيرها حلال حيا وميتا وقال الأوزاعي صيد البحر كله حلال وكل ما مسكنه وعيشه في الماء قيل والتمساح قال نعم واختلف عن الثوري فروي عنه مثل قول مالك وروي عنه أنه لا يؤكل من صيد البحر إلا السمك وما عداه فلا بد أن يذبح وروى عنه أبو إسحاق الفزاري أنه لا يؤكل منه غير السمك وهو قول أبي حنيفة وأصحابه قالوا لا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك ولا يؤكل الطافي من السمك وكره الحسن بن حي أكل الطافي من السمك وقال الليث بن سعد ليس بميتة البحر بأس قال ويؤكل كلب الماء وقرص الماء ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء‏.‏

وقال الشافعي ما يعيش في الماء حل أكله وأخذه ذكاته ولا بأس بخنزير الماء‏.‏

وقال أبو ثور السرطان والسلحفاة وما كان مثلها لا يكون بحل إلا بالذكاة لأنهما يعيشان في البر حينا قال وما لا يعيش في البر فهو مثل السمك قال أبو عمر احتج من لم يجز أكل الطافي من السمك بحديث إسماعيل بن أمية عن بن الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوا وما طفا فلا تأكلوا‏)‏‏)‏ وهذا الحديث رواه الثوري وحماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر موقوفا وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال الجراد والحيتان ذكي كله إلا ما مات في البحر فهو ميتة وروى قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما كرها الطافي من السمك وشعبة عن مغيرة عن إبراهيم مثله وروى الثوري وشريك عن عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن بن عباس قال أشهد على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها وروى أبو الزبير عن عبد الرحمن - مولى بني مخزوم - قال قال أبو بكر - رضي الله عنه - ما في البحر شيء إلا قد ذكاه الله لكم قال أبو عمر الحجة في هذا الباب حديث أبي هريرة وحديث الفراسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر ‏(‏‏(‏هو الطهور ماؤه الحل ميتته رواه الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي أنه حدث أن الفراسي قال كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث وكنت أحمل قربة لي فيها ماء فإذا لم أتوضأ من القربة رفق ذلك لي وبقيت لي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت ذلك عليه فقال ‏(‏‏(‏هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏)‏‏)‏ فإن قيل انهما حديثان غير ثابتين لأن سعيد بن سلمة مجهول ولأن يحيى بن سعيد يرويه عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه عن النبي عليه السلام قيل حديث جابر ثابت مجتمع على صحته وفيه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوا حوتا يسمى العنبر أو دابة أكلوا منها بضعة عشر يوما ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال هل معكم من لحمها شيء وهذا يدل على جواز أكله لغير المضطر الجائع وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ ويأتي في موضعه من هذا الكتاب - إن شاء الله - قال مالك لا بأس بأكل الحيتان يصيدها المجوسي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في البحر ‏(‏‏(‏هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏)‏‏)‏‏.‏

قال مالك وإذا أكل ذلك ميتا فلا يضره من صاده قال أبو عمر على هذا جمهور العلماء وفي ما ذكرنا في هذا الباب ما يبين لك مذاهبهم في ذلك والله الموفق للصواب‏.‏

باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع

1028- مالك عن بن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏أكل كل ذي ناب من السباع حرام‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر هكذا رواه يحيى عن مالك بهذا الإسناد عن بن شهاب عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏أكل كل ذي ناب من السباع حرام‏)‏‏)‏ ولا يرويه أحد كذلك لا من أصحاب بن شهاب ولا من اصحاب مالك وإنما هذا اللفظ حديث أبي هريرة من رواية مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن أبي سفيان الحضرمي عن أبي هريرة والمحفوظ من حديث أبي ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ولم يختلف رواة ‏(‏‏(‏الموطأ‏)‏‏)‏ في لفظ حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏أكل كل ذي ناب من السباع حرام‏)‏‏)‏‏.‏

1029- مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏أكل كل ذي ناب من السباع حرام‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر ما ترجم به مالك - رحمه الله - هذا الباب وما رسم فيه من حديث أبي هريرة وحديث أبي ثعلبة يدل على أن مذهبه في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع أنه نهي تحريم لا نهي ندب وإرشاد كما زعم أكثر أصحابنا ويشذ ذلك قوله وعلى ذلك الأمر عندنا روى هذا يحيى عن مالك وهو آخر من سمع عليه ‏(‏‏(‏الموطأ‏)‏‏)‏ ويشهد له أيضا ما رواه أشهب عن مالك أنه لا تعمل الذكاة في السباع لا للحومها ولا لجلودها كما قال لا تعمل في الخنزير وإلى هذا ذهب أشهب وهو الذي يشهد له لفظ حديث أبي هريرة هذا وما ترجم عليه مالك هذا الباب وأصل النهي أن تنظر إلى ما ورد منه وطرأ على ملكك أو على ما ليس في ملكك فما كان منه واردا على ملكك فهو يمين آداب وإرشاد واختيار وما طرأ على ملكك فهو على التحريم وعلى هذا ورد النهي في القرآن والسنة لا لمن اعتبرهما ألا ترى إلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اجتناب الأسقية والأكل من رأس الصحفة والمشي في نعل واحد وأن يقرن بين تمرتين من أكل مع غيره والاستنجاء باليمين دون الشمال والأكل بالشمال دون اليمين والتيامن في لباس النعال وفي الشراب وغير ذلك مما يطول ذكره فهذا كله وما كان مثله نهي أدب وإرشاد لأنه طرأ على ما في ملك الإنسان فمن واقع شيئا من ذلك لم يحرم عليه فعله ولا شيء من طعامه ولا لباسه‏.‏

وأما نهيه عن الشغار ونكاح المحرم ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وعن قليل ما أسكر كثيره وعن بيع حبل حبلة وما أشبه ذلك من البيوع الفاسدة فهذا كله طرأ على شيء محظور استباحته إلا على سنته فمن لم يستبحه على سنته حرم ذلك عليه لأنه لم يكن قبل في ملكه فإن قيل إن الله تعالى قد نهى عن وطء الحائض ومن وطئها لم تحرم بذلك عليه امرأته ولا سريته قيل له لو تدبرت هذا لعلمت أنه من الباب الوارد على ما في ملك الإنسان مطلقا لأن عصمة النكاح وملك اليمين في معنى الوطء من العبادات التي أصلها الحظر ثم وردت الإباحة فيها بشرط لا يجوز أن يتعدى ولا يستباح إلا به لأن الفروج محظورة إلا بنكاح أو ملك يمين ولم ترد الإباحة في نكاح ما طاب لنا من النساء أو ما ملكت إيماننا إلا مقرونة لأن الحائض لا توطأ حتى تطهر كما ورد تحريم الحيوان في أنه لا يستباح إلا بالذكاة فوطء الحائض واستباحة الحيوان من القسم الثاني لا من الأول الذي وردت فيه الإباحة في ملك الإنسان مطلقة بغير شرط وهذا بين لمن تدبره وبالله التوفيق ولما كان النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع محتملا للمعنيين جميعا افتتح مالك - رحمه الله - الباب بحديث أبي ثعلبه في لفظ النهي ثم أتبعه على جهة التفسير له بحديث أبي هريرة وفي بعض روايات ‏(‏‏(‏الموطأ‏)‏‏)‏ تقديم حديث أبي هريرة والمعنى في ذلك واحد لأن الباب جمعها فيه والنهي محتمل للتأويل فهو مجمل والتحريم إفصاح فهو تفسير للمجمل وقد قال أبو بكر الأبهري أن النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع نهي تنزيه وتعذر وهذا لا أدري ما هو فإن أراد التقذر من القذر الذي هو النجاسة فلا خلاف في تحريم ذلك بين العلماء وأنه لا يحل أكل النجاسات ولا استباحة شيء منها ويلزم التنزه عنها لزوم فرض فإن كان ما ذكرنا في الندب والإرشاد فهو على ما وصفنا وإنما احتج الأبهري لرواية بن القاسم فقوله أن الذكاة عاملة في جلود السباع وأن لحومها ليست بحرام على آكلها إذا ذكيت وإنما هي مكروهة فقد تناقض بن القاسم فيما ذهب إليه من هذا الباب ورواه عن مالك لأنه لا يرى التذكية في جلود الحمير تعمل شيئا ولا تحل جلود الحمير عنده إلا بالدباغ كجلود الميتات ومعلوم أن النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع أعم وأظهر عند العلماء لأنه قد قيل في الحمر إنما نهي منها عن الجلالة وقال لبعض من سأله عنها كل من سمين مالك فلم يلتفت العلماء إلى مثل هذه الآثار لضعف مخارجها وطرقها مع ثبوت النهي عن أكلها جملة وكذلك النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ومن لم ير بن عباس حجة في إباحته أكل لحوم الحمر الأهلية لأن قوله في ذلك خلاف ثابت السنة كقول من ليس في المنزلة من أهل العلم مثله أخرى أن يترك في لحوم السباع لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها وتحريمه لها أخبرنا عبد الله قال حدثني أبو داود قال حدثني محمد بن المصفى قال حدثني محمد بن حرب عن الزبيدي عن مروان بن رؤبة عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏ألا لا يحل أكل ذي ناب من السباع ولا الحمار الأهلي‏)‏‏)‏ والذي عول عليه من أجاز أكل كل ذي ناب من السباع ظاهر قول الله تعالى ‏(‏قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه‏)‏ الآية ‏[‏الأنعام 145‏]‏‏.‏

وهذا لا حجة فيه لوجوه كثيرة قد تقصيناها في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ منها أن سورة الأنعام مكية ومفهوم في قوله ‏(‏قل لا أجد في ما أوحي ألي محرما‏)‏ ‏[‏الأنعام 145‏]‏‏.‏

أي شيئا محرما وقد نزل بعدها قرآن كثير فيه نهي عن أشياء محرمة ونزلت سورة المائدة بالمدينة وهي من آخر ما نزل وفيها تحريم الخمر المجتمع على تحريمها وقد حرم الله تعالى الربا وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيوع أشياء يطول ذكرها وأجمعوا أن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان بالمدينة رواه عنه متأخرو أصحابه منهم أبو هريرة وبن عباس وأبو ثعلبة وكلهم لم يصحبوه إلا بالمدينة‏.‏

وأما قوله تعالى ‏(‏قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما‏)‏‏)‏ ‏[‏الأنعام 145‏]‏‏.‏

فقيل معناه لا أجد فيما أنزل إلي وقتي هذا غير ذلك وقيل لا أجد فيما أوحي إلي محرما مما كنتم تأكلونه يريد العرب وقيل إنها خرجت على جواب سائل عن أشياء من المأكل كأنه قال لا أجد فيما سألتم عنه شيئا محرما إلا كذا ولم تسألوا عن ذي الناب وحمار الأهلي وقد أنزل الله تعالى بعد ذلك تحريم الموقوذة والمنخنقة وما ذكرنا معها وأشياء يطول ذكرها ولما قال الله تعالى ‏(‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏)‏ الحشر ألزم بنص التنزيل الانتهاء عن كل ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم إلا أن يجتمع من لا يجوز عليه تحريف تأويل الكتاب والسنة وهم الجمهور الذي يلزم من شذ عنهم الرجوع إليهم على أن ذلك النهي على غير التحريم فيكون خارجا بدليله مستثنى من الجملة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها ولم يقل أحد من العلماء أن قوله - عز وجل - ‏(‏وأحل لكم ما وراء ذلكم‏)‏ ‏[‏النساء 45‏]‏‏.‏

يعارض ذلك بل جعل نهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها زيادة بيان على ما في الكتاب واختلف الفقهاء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏أكل كل ذي ناب من السباع حرام‏)‏‏)‏ فقال منهم قائلون إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا ما كان يعدو على الناس مثل الأسد والذئب والكلب والنمر العادي وما أشبه ذلك مما الأغلب في طبعه أن يعدو وما كان الأغلب في طبعه أنه لا يعدو فليس مما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا وإذا لم يكن فلا بأس بأكله واحتجوا بحديث الضبع في إباحة أكلها وهي سبع وهو حديث رواه عبد الرحمن بن أبي عمار قال سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أأكلها قال نعم قلت أصيد هي قال نعم قلت أسمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا وإن كان هذا الحدبث انفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار فقد وثقه جماعة من أهل الحديث واحتجوا بهذا الحديث قال علي بن المديني عبد الرحمن بن أبي عمار ثقة مكي وروي عن سعد بن أبي وقاص وعروة بن الزبير إجازة أكل الضباع قالوا والضبع سبع لا يختلف في ذلك فلما أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكلها علمنا أن نهيه عن أكل كل ذي ناب من السباع ليس من جنس ما أباحه وإنما هو نوع آخر والله أعلم وهو الأغلب فيه العداء على الناس هذا قول الشافعي ومن تابعه قال الشافعي ذو الناب المحرم أكله هو الذي يعدو على الناس كالأسد والنمر والذئب قال ويؤكل الضبع والثعلب وهو قول الليث وروى معمر عن بن شهاب الزهري قال الثعلب سبع لا يؤكل قال معمر وقال قتادة ليس بسبع ورخص في أكله طاوس وعطاء من أجل أنه يؤذي قال مالك وأصحابه لا يؤكل شيء من سباع الوحش كلها ولا الهر والوحشي ولا الأهلي لأنه سبع قال ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب ولا شيء من سباع الوحش ولا بأس بأكل سباع الطير زاد بن عبد الحكم عن مالك قال وكل ما يفترس ويأكل اللحم ولا يرعى الكلأ فهو سبع لا يؤكل وهو يشبه السباع التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها وروي عن أشهب أنه قال لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي قال بن وهب عن مالك لم أسمع أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا بأرضنا ينهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير قال بن وهب وكان الليث يقول يؤكل الهر والثعلب والحجة لمالك في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع عموم النهي عن ذلك ولم يخصوا سبعا من سبع فكل ما وقع عليه أسم سبع فهو داخل تحت النهي على ما يوجبه الخطاب وتعرفه العرب في مخاطبتها وليس حديث الضبع مما يعارض به حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار وليس بمشهور بنقل العلم ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه‏.‏

وأما العراقيون - أبو حنيفة وأصحابه - فقالوا ذو الناب من السباع المنهي عن أكله الأسد والذئب والنمر والفهد والثعلب والضبع والكلب والسنور البري والأهلي والوبر قالوا وبن عرس سبع من سباع الهوام وكذلك الفيل والدب والضب واليربوع قال أبو يوسف فأما الوبر فلا أحفظ فيه شيئا عن أبي حنيفة وهو عندي مثل الأرنب لا بأس بأكله لأنه لا يعتلف إلا البقول والنبات وقال أبو يوسف في السنجاب وفي الفنك والسمور كل ذلك سبع مثل الثعلب وبن عرس قال أبو عمر أما الضب فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إجازة أكله وفي ذلك ما يدل على أنه ليس بسبع يفترس والله أعلم وقال بن المسيب لا بأس بالورل قال عبد الرزاق والورل أشبه شيء بالضب وكره الحسن وغيره أكل الفيل لأنه ذو ناب وهم للأسد أشد كراهة وكره عطاء ومجاهد وعكرمة أكل الكلب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلب أنه قال ‏(‏‏(‏طعمة جاهلية وقد أغنى الله عنها‏)‏‏)‏ وروي عن بن المسيب أن الضبع لا يصلح أكلها وعن عروة أنه لم ير بأكل اليربوع بأسا وعن عطاء مثله وعن طاوس أنه أجاز أكل الوبر وقال الشعبي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحم القرد وكرهه بن عمر وعطاء ومكحول والحسن ولم يجيزوا بيعه وقال مجاهد ليس القرد من بهيمة الأنعام ولا أعلم بين العلماء خلافا أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه وذو الناب مثله عندي والحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في حجة غيره‏.‏

وأما جلود السباع المذكاة لجلودها فاختلف الصحابة في ذلك فروى بن القاسم عن مالك أن السباع إذا ذكيت من أجل جلودها حل بيعها ولباسها والصلاة عليها قال أبو عمر الذكاة عنده في السباع لجلودها أكمل طهارة وفي هذه الرواية من الدباغ في جلود الميتة وهو قول بن القاسم وقال بن حبيب إنما ذلك في السباع المختلف فيها فأما المتفق عليها فلا يجوز بيعها ولا لبسها ولا الصلاة عليها ولا بأس بالانتفاع بها إذا ذكيت كجلد الميتة المدبوغ قال بن حبيب ولو أن الدواب الحمير والبغال إذا ذكيت لجلودها لما حل بيعها ولا الانتفاع بها ولا الصلاة فيها إلا الفرس فإنه لو ذكي يحل بيع جلده والانتفاع به للصلاة وغيرها لاختلاف الناس في تحريمه وقال أشهب أكره بيع جلود السباع وإن ذكيت ما لم تدبغ قال وأرى أن يفسخ البيع فيها ويفسخ ارتهانها وأرى أن يؤدب من فعل ذلك إلا أن يعذر بالجهالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أكل كل ذي ناب من السباع فالذكاة فيها ليست بذكاة وروى أشهب عن مالك في المستخرجة أن ما لا يؤكل لحمه فلا يطهر جلده بالدباغ قال وسئل مالك أترى ما دبغ من جلود الدواب طاهرا فقال إنما يقال هذا في جلود الأنعام فأما جلود ما لا يؤكل لحمه فكيف يكون جلده طاهرا إذا دبغ وهو مما لا ذكاة فيه ولا يؤكل لحمه قال أبو عمر لا أعلم خلافا أحدا من الفقهاء قال بما رواه أشهب عن مالك في جلد ما لا يؤكل لحمه أنه لا يطهر بالدباغ إلا أبا ثور إبراهيم بن خلد قال وذلك أن النبي عليه السلام قال في جلد شاة ماتت ‏(‏‏(‏ألا دبغتم جلدها‏)‏‏)‏ ونهى عن جلود السباع قال فلما روي الخبران أخذنا بهما جميعا لأن الكلامين جميعا لو كان في مجلس واحد كان كلاما صحيحا ولم يتناقض ولا أعلم خلافا أنه لا يتوضأ في جلد خنزير وإن دبغ فلما كان الخنزير حراما لا يحل أكله وإن ذكي وكانت السباع لا يحل أكلها وإن ذكيت كان حراما أن ينتفع بجلودها وإن دبغت قياسا على ما أجمعوا عليه من الخنزير إذ كانت العلة واحدة هذا كله قول أبي ثور وذكر هشيم عن منصور عن الحسن أن عليا كره الصلاة في جلود البغال قال أبو عمر ما قاله أبو ثور صحيح في الذكاة أنها لا تعمل فيما لا يحل أكله إلا أن قوله عليه السلام ‏(‏‏(‏كل إهاب دبغ فقد طهر‏)‏‏)‏ وقد دخل فيه كل جلد إلا أن جمهور السلف أجمعوا أن جلد الخنزير لا يدخل في ذلك فخرج بإجماعهم وحديث أبي ثور الذي ذكره في النهي عن جلود السباع ليس فيه بيان ذبائح ويحتمل أن يكون نهي عنها قبل الدباغ وهذا أولى ما حملت الآثار عليه والحديث حدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثني قاسم قال حدثني بكر بن حماد قال حدثني مسدد قال حدثني يحيى القطان عن بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع وقال محمد بن عبد الحكم وحكاه عن أشهب لا يجوز تذكية السباع وإن ذكيت لجلودها لم يحل الانتفاع بشيء من جلودها إلا أن تدبغ قال أبو عمر قول بن عبد الحكم عن أشهب عليه جمهور الفقهاء من أهل النظر والأثر بالحجاز والعراق والشام وهو الصحيح عندي وهو الذي يشبه قول مالك في ذلك ولا يصح أن ينقله غيره ولوضوح الدلائل عليه ولو لم يعتبر ذلك إلا بمذابحة المحرم أو ذبح في الحرم أن ذلك لا يكون ذكاة للمذبوح عند مالك وأكثر العلماء وكذلك الخنزير عند الجميع لا تعمل في جلده الذكاة وسيأتي ذكر ما يطهر بالدباغ من الأهب في الباب بعد هذا إن شاء الله‏.‏

باب ما يكره من أكل الدواب

1030- قال مالك إن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل لأن الله تبارك وتعالى قال ‏(‏والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة‏)‏ ‏[‏النحل 8‏]‏‏.‏

وقال تبارك وتعالى في الأنعام ‏(‏لتركبوا منها ومنها تأكلون ‏[‏غافر 79‏]‏‏.‏

وقال تبارك وتعالى ‏(‏ ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وأطعموا القانع والمعتر ‏[‏الحج 36‏]‏‏.‏

قال مالك وسمعت أن البائس هو الفقير وأن المعتر هو الزائر قال مالك فذكر الله الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة وذكر الأنعام للركوب والأكل قال مالك والقانع هو الفقير أيضا قال أبو عمر قد ذكر مالك - رحمه الله - مذهبه في هذا الباب واحتج بأحسن الاحتجاج ولا خلاف فيما ذكر من أكل البغال والحمير إلا شيء روي عن بن عباس وعائشة والشعبي وقد روي عنهم خلافه على ما قد ذكرناه في موضعه وهو مذهب طائفة من أصحاب بن عباس وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال قلت لجابر بن زيد أنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر قال وقد كان الحكم بن عمرو الغفاري يكره ذلك وينهى عنه وأبى ذلك البحر - يعني بن عباس وتلا ‏(‏قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما‏)‏ الآية ‏[‏الأنعام 145‏]‏‏.‏

وبن عيينة عن أبي إسحاق الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى قال أصبنا حمرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فنحرناها وطبخناها فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اكفوا القدور بما فيها قال أبو إسحاق فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال إنما نهي عنها لأنها كانت تأكل العذرة قال أبو عمر جمهور العلماء على ما ورد من السنة فيهما لأن النبي -عليه السلام- عام خيبر نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأجمع العلماء على أن البغل عندهم كالحمار لا يسهم له في الغزو ولا يؤكل لحمه وعلى هذا جماعة الفقهاء - أئمة الفتوى بالأمصار واختلفوا في أكل الخيل فقال مالك وأصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي لا تؤكل الخيل ومن الحجة لهم من جهة السنة الواردة بنقل الآحاد ما حدثناه عبد الله بن محمد قال حدثني محمد بن بكر قال حدثني أبو داود قال حدثني بقية عن ثور بن يزيد عن صالح حدثني حيوة بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع وقال أبو يوسف ومحمد والليث بن سعد والشافعي وأصحابه تؤكل الخيل وحجتهم ما حدثناه عبد الله قال حدثني محمد قال حدثني أبو داود سليمان بن الأشعث قال حدثني سليمان بن حرب قال حدثني حماد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل قال أبو داود‏.‏

وحدثني موسى بن إسماعيل قال حدثني حماد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل وروى هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء قالت نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه قال أبو عمر أما أهل العلم بالحديث فحديث الإباحة في لحوم الخيل أصح عندهم وأثبت من النهي عن أكلها‏.‏

وأما القياس عندهم فإنها لا تؤكل الخيل لأنها من ذوات الحافر كالحمير‏.‏

وأما قوله البائس الفقير فلا أعلم فيه خلافا وربما عبروا عنه بالمسكين والمعنى واحد وهو الذي قد تباءس من ضر الفقر والله أعلم‏.‏

وأما قوله المعتر هو الزائر فقد قيل ما قال وقيل المعتر الذي يعتريك ويعترض ويتعرض لك لتعطيه ولا يفصح بالسؤال وقيل القانع السائل قال الشماخ‏:‏

لمال المرء يصلحه فيغني *** مفاقره أعف من القنوع

أي السؤال يقال منه قنع قنوعا إذا سأل وقنع قناعة إذا رضي بما أعطي وأصل هذا كله الفقر والمسكنة وضعف الحال وقال بن وهب قال مالك لا بأس بأكل الأرنب قال أبو عمر قد ذكرنا في باب ما يقتل المحرم من الدواب في كتاب الحج ما لمالك وغيره في أكل كل ذي مخلب من الطير فأغنى عن ذكر ذلك ‏(‏ها هنا‏)‏‏.‏

باب ما جاء في جلود الميتة

1031- مالك عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس أنه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة كان أعطاها مولاة لميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال أفلا انتفعتم بجلدها‏)‏‏)‏ فقالوا يا رسول الله إنها ميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏إنما حرم أكلها‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو عمر هكذا رواه يحيى مسندا وقد تابعه على ذلك بن وهب وبن القاسم والشافعي وأرسله القعنبي وبن بكير وجويرية ومحمد بن الحسن فقالوا فيه عن بن شهاب عن عبيد الله عن النبي -عليه السلام- والصحيح رواية من رواه مسندا وكذلك يرويه سائر أصحاب الزهري ولم يذكر مالك في هذا الحديث الدباغ وتابعه على ذلك معمر ويونس وهو الصحيح فيه عن بن شهاب وبه كان يفتي وقد روى يحيى بن أيوب عن عقيل وبقية عن الزبيدي جميعا عن الزهري في هذا الحديث ذكر الدباغ وليسا بحجة على ما ذكرنا وذكر الدباغ محفوظ في حديث بن عباس من وجوه من غير طريق بن شهاب منها حديث بن وعلة وغيره و أما قوله في حديث بن شهاب إنما حرم أكلها قول خرج على جواب سائل عن جلدها فأجابه بأن الانتفاع بها متاح بعد دبغها ومعلوم أن تحريم الميتة قد جمع عصبها وإهابها وعظامها مع لحمها هذا ما يوجبه الظاهر وقد اختلف العلماء في الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ وبعده وفي الانتفاع بعظامها في أمشاط العاج وغيرها وسنبين ذلك في هذا الباب - إن شاء الله‏.‏

1032- مالك عن زيد بن أسلم عن بن وعلة المصري عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏إذا دبغ الإهاب ‏(‏1‏)‏ فقد طهر‏)‏‏)‏‏.‏

1033- مالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت قال أبو عمر أما حديث بن وعلة فقد ذكرنا في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ أن ممن روى عن بن وعلة مع زيد بن أسلم القعقاع بن حكيم وأبو الخير اليزني وذكرنا من رواه أيضا عن زيد بن أسلم كما رواه مالك وأتينا بالأحاديث بأسانيدها في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ ومعلوم أن المقصود بقوله عليه السلام ‏(‏‏(‏أيما إهاب قد دبغ فقد طهر‏)‏‏)‏ هو ما لم يكن طاهرا من الأهب كجلود الميتات وما لا تعمل فيه الذكاة من السباع عند من حرمها لأن الطاهر لا يحتاج إلى الدباغ ليتطهر ومحال أن يقال في الجلد الطاهر إذا دبغ فقد طهر وهذا يكاد علمه أن يكون ضرورة وفي قوله عليه السلام أيما إهاب دبغ فقد طهر نص ودليل فالنص منه طهارة الإهاب بالدباغ والدليل منه أن إهاب كل ميتة إن لم يدبغ فليس بطاهر وإذا لم يكن طاهرا فهو نجس والنجس رجس محرم وإذا كان ذلك كذلك كان هذا الحديث معارضا لرواية بن شهاب في الشاة الميتة إنما حرم أكلها وإنما حرم لحمها وكان مبينا للمراد منه وبطل بنصه قول من قال إن الجلد من الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ وبطل بالدليل منه قول من قال إن جلد الميتة - وإن لم يدبغ - يستمتع به وينتفع وهو قول بن شهاب وروي عن الليث بن سعد مثله وذكره معمر بأثر حديثه المسند المذكور قال معمر وكان الزهري ينكر الدباغ ويقول يستمتع به على كل حال قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي وما علمت أحدا قال ذلك قبل الزهري وروى الليث عن يونس عن بن شهاب الحديث المذكور ثم قال بإثره فلذلك لا نرى بالسقاء فيها بأسا ولا ببيع جلدها وابتياعه وعمل الفراء منها قال أبو عمر برواية معمر عن بن شهاب ما ذكرنا من قوله دليل على صحة نقل من لم يذكر في حديث بن شهاب الدباغ وقد ذكر الدباغ فيه بن عيينة والأوزاعي وعقيل الزبيدي وسليمان بن كثير إلا أنهم اضطرب عنهم في ذلك وذكر الدباغ في هذه القصة من حديث عطاء عن بن عباس ثابت لم يضطرب فيه ناقلوه وروى بن جريج وعمرو بن دينار عن عطاء عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة مطروحة من الصدقة فقال ‏(‏‏(‏أفلا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به‏)‏‏)‏‏.‏

وأما قول الليث فهي هذه المسألة فمثل قول بن شهاب رواه بن وهب وعبد الله بن صالح عنه وقال الطحاوي لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث قال أبو عمر قد ذكر بن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب بن شهاب والليث في ذلك قال من اشترى جلد ميتة فدبغه وقطعه نعالا فلا يبعها حتى يبين وهذه مسألة أغفل فيها ناقلها ولم يبن وتحصيل مذهبه المعروف أن جلد الميتة لا ينتفع في شيء من الأشياء قبل الدباغ فكيف البيع الذي لا يجزه في المشهور من مذهبه بعد الدباغ وفي المدونة مسألة تشبه ما ذكره بن عبد الحكم قال من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه فعليه قيمته وحكى بن القاسم أن ذلك قول مالك وقال أبو الفرج قال مالك من أغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شيء عليه قال إسماعيل بن إسحاق لا شيء عليه إلا أن يكون لمجوسي قال أبو عمر ليس في تقصير من قصر عن ذكر الدباغ في حديث بن عباس حجة على ما ذكره لأن من أثبت شيئا هو حجة على من سكت عنه ومعلوم أن من حفظ شيئا حجة على من لم يحفظ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من دباغ جلد الميتة آثار كثيرة منها حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏دباغ جلد الميتة ذكاته‏)‏‏)‏ وقد رواه قوم عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الأسود عن عائشة وقد جاء حديث ميمونة من غير رواية بن عباس روى بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث والليث بن سعد عن كثير بن فرقد أن عبد الله بن مالك بن حذافة حدثه عن أمه العالية بنت سبيع أن ميمونة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - حدثتها أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش وهم يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏لو اتخذتم إهابها‏)‏‏)‏ فقالوا إنها ميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏يطهرها الماء والقرظ‏)‏‏)‏ وروى قتادة وغيره عن الحسن عن جون بن قتادة عن سلمة بن المحبق أن النبي عليه السلام في غزوة تبوك أتى أهل بيت فدعا بما عند امرأة قالت ما عندي ماء إلا قربة ميتة قال أو ليس قد دبغتها قالت بلى قال ‏(‏‏(‏فإن ذكاتها دباغها‏)‏‏)‏ رواه شعبة وهشام عن قتادة بمعنى واحد وذكر بن أبي شيبة قال حدثني يزيد بن هارون عن سعيد عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أخيه عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في جلد الميتة أن دباغه أذهب خبثه ونجسه أو قال رجسه والآثار بهذا كثيرة فلا وجه لمن قصر عن ذكر الدباغ قال أبو عمر والذي عليه أكثر أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة الفتوى أن جلد الميتة دباغه طهور كامل له تجوز بذلك الصلاة عليه والوضوء والاستقاء والبيع وسائر وجوه الانتفاع وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة والكوفيين وقول الأوزاعي في جماعة أهل الشام وقول الشافعي وأصحابه وبن المبارك وإسحاق وهو قول عبيد الله بن الحسن والبصريين وقول داود والطبري وهو قول جمهور أهل المدينة إلا أن مالكا كان يرخص في الأنتفاع بها بعد الدباغ ولا يرى الصلاة فيها ويكره بيعها وشراءها وعلى ذلك أصحابه إلا بن وهب فإنه يذهب إلى أن دباغ الإهاب طهور كامل له في الصلاة والوضوء والبيع وكل شيء وقد ذكر في ‏(‏‏(‏موطئه‏)‏‏)‏ عن بن لهيعة وحيوة بن شريح بن خالد بن أبي عمران قال سألت القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله عن جلود الميتة إذا دبغت أآكل ما جعل فيها قال نعم ويحل ثمنها إذا بينت مما كانت قال‏.‏

وحدثنا محمد بن عمرو عن بن جريج قال قلت لعطاء الفرو من جلود الميتة يصلى فيه قال نعم وما بأسه وقد دبغ وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال لا يختلف عندنا بالمدينة أن دباغ جلود الميتة طهورها وقال بن وهب سمعت الليث يقول لا بأس بالصلاة في جلود الميتة إذا دبغت وإلى هذا ذهب بن الحكم في طهارة جلود الميتة أنها طاهرة كاملة كالذكاة وفي المسألة قول رابع ذهب إليه أحمد بن حنبل وهو في الشذوذ قريب من الأول ذهب إلى تحريم الجلد وتحريم الانتفاع به قبل الدباغ وبعده بحديث شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهذا الحديث قد خولف فيه شعبة فروي عن الحكم عن رجال من جهينة لم يذكرهم وكذلك رواه القاسم بن مخيمرة عن مشيخة له عن عبد الله بن عكيم ولو كان ثابتا لاحتمل أن لا يكون مخالفا للأحاديث التي ذكر فيها الدباغ كأنه قال لا تنتفعوا من الميتة بإهاب قبل الدباغ فإذا احتمل ذلك لم يكن ذلك به مخالفا لخبر بن عباس وما كان مثله في الدباغ فإن قيل إن في حديث عبد الله بن عكيم أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر فقد يحتمل أن يكون حديث بن عباس قبل موته بجمعة أو ما شاء الله وهذا لا حجة فيه وقد تقصينا حجج الفرق في ‏(‏‏(‏التمهيد‏)‏‏)‏ وحجة مالك فيما ذهب إليه من الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ في الأشياء اليابسة كالجلوس عليها والغربلة والامتهان وشبهه وكراهيته لبيعها والصلاة عليها حديثه بذلك عن يزيد بن قسيط عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أمه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت وقد أجاز مالك الصلاة عليها في بعض الروايات عنه وقال أما أنا فأستقي به في خاصة نفسي وأكرهه لغيري وهذا كله استحباب لا يقوم عليه دليل والدليل بمشهور الحديث عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏‏(‏أيما إهاب دبغ فقد طهر‏)‏‏)‏ على أن البيع عندهم من باب الانتفاع‏.‏

وأما قوله أيما إهاب دبغ فقد طهر فإنما يقتضي جميع الأهب وهي الجلود كلها لأن اللفظ جاء في ذلك مجيء عموم ولم يخص شيئا مثلها وهذا أيضا موضع اختلاف بين العلماء فأما مالك فقد ذكرنا مذهبه في أنها طهارة غير كاملة على ما وصفنا عنه وعليه أصحابه إلا بن وهب فإنها عنده طهارة كاملة وهو قول جمهور العلماء وأئمة الفتوى الذين ذكرناهم إلا جلد الخنزير فإنه لا يدخل في عموم قوله أيما إهاب دبغ فقد طهر لأنه محرم العين حيا وميتا وجلده مثل لحمه فلما لم تعمل في لحمه ولا في جلده الذكاة لم يعمل الدباغ في إهابه شيئا وروى معن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فقال لا ينتفع به رواه بن وضاح عن موسى بن معاوية عن معن بن عيسى قال بن وضاح قال لي سحنون لا بأس به إذا دبغ وكذلك قال داود بن علي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وحجتهم عموم قوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر وأنكر جمهور العلماء هذا القول وقال أهل اللغة منهم النضر بن شميل أن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل وما عداه فإنما يقال له جلد لا إهاب حكى ذلك إسحاق بن منصور الكوسج عن النضر بن شميل أنه قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏‏(‏أيما إهاب دبغ فقد طهر‏)‏‏)‏ إنما يقال الإهاب للإبل والبقر والغنم‏.‏

وأما السباع فجلود وقال الكوسج وقال لي إسحاق بن راهويه كما قال النضر بن شميل‏.‏

وقال أحمد لا أعرف ما قال النضر قال أبو عمر لا يمتنع أن يكون الإهاب اسما جامعا للجلود كلها ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه لأن بن عباس روى حديث شاة ميمونة ثم روى عموم الخبر في كل إهاب وقد تقدم خلاف الناس في جلود السباع وهل تعمل فيها الذكاة في الباب قبل هذا‏.‏

وأما الدباغ فعامل في كل إهاب وجلد ومسك إلا أن جمهور العلماء الذين لا يجوز عليهم تحريف التأويل ويلزم من شذ عنهم الرجوع إليهم خصوا جلد الخنزير وأخرجوه من الجملة فلم يجيزوا فيه الدباغ هذا على أن أكثرهم ينكر أن يكون الخنزير جلد يتوصل إليه بالانتفاع فاختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلود الميتة فقال مالك وأصحابه كل شيء دبغ به الجلد من ملح أو قرظ أو شب أو غير ذلك فقد جاز الانتفاع به وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه قالوا كل شيء دبغ به جلد الميتة فأزال شعره ورائحته وذهب بدسمه ونشفه فقد طهره وهو بذلك الدباغ طاهر وهو قول داود وذكر بن وهب قال قال - يحيى بن سعيد الأنصاري ما دبغت به الجلود من دقيق أو قرظ أو ملح فهو لها طهور وللشافعي في ذلك قولان أحدهما هذا والآخر أنه لا يطهره إلا الشب أو القرظ لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خرج الخطاب والله الموفق للصواب‏.‏